حسين المناصرة:اندحار النقد الأدبي أمام سطوة الرواية

0 4

يرتكز المشروع النقدي للكاتب والناقد الفلسطيني حسين المناصرة على الأدب النسوي والسرديات، وهو وفق ما يقول، يُعد نفسه قارئاً للرواية النسوية، «ومعظم كتبي النقدية تدور في سياق الرواية ونظرية النقد النسوي». بدأ مشروع المناصرة النقدي بنيوياً توليدياً متأثراً بمدرسة جورج لوكاش، وتلميذه لوسيان غولدمان، وكذلك استند كثيراً إلى حواريه ميخائيل باختين، ثم تبنى نظرية النقد النسوي والسرديات. ويشير المناصرة، في حواره مع «الجريدة»، إلى أن لديه قراءات وأبحاثاً عديدة وكتباً في مجالات الأجناس الأدبية كافة، وفي ظواهر المشهد الثقافي والإبداعي. وإلى نص الحوار:

• ما تقييمك لحصاد رحلتك التي بدأت من قرية بني نعيم الخليل بفلسطين حتى الاستقرار والعمل في جامعة الملك سعود؟

– الحياة رحلة قصيرة جداً، والزمن يجري كريح عاتية، وما ننتجه من حصاد علمي وعملي هو المعيار الرئيسي في بناء شخصياتنا وتكوين علاقاتها المجتمعية والثقافية، لذلك أعتقد أن حصاد رحلتي بعد تخرجي في الثانوية المدرسية في بلدة بني نعيم بفلسطين، حيث يقيم أجدادي الكنعانيون العرب منذ آلاف السنين، كان مرضياً بالنسبة لي بعد أربعين سنة قضيتها في التعليم الجامعي والمعرفي دائماً، ومواصلة القراءة دائماً، والكتابة في معظم الأوقات، والعمل الأكاديمي والبحثي والثقافي دائماً، إذ يمكن القول عن هذه الحياة أن جلّها كان للعمل والقراءة والكتابة والمشاركة الثقافية والعلمية في سياقات منبرية عديدة، إن لم تكن كثيرة، وكان قضائي لثلاثة وثلاثين عاماً في جامعة الملك سعود بالرياض فرصة كبرى لإنجاز دروسي الجامعية، وأعمالي في اللجان العلمية والإدارية الكثيرة، وإدارتي مديراً تنفيذياً لكرسي أبحاث الأدب السعودي مدة سبعة أعوام، وعملي الاستشاري في وكالات الجامعة وعماداتها إضافة إلى القراءة والكتابة والمشاركة شبه اليومية في الفعاليات والأنشطة الثقافية، والتدريس في عدة كليات وجامعات أخرى حصاد كبير أعتز به؛ فلدي أكثر من عشرين كتاباً إبداعياً، وأكثر من عشرين كتاباً نقدياً، وشاركت في كتب مشتركة تجاوزت الخمسين كتاباً، وشاركت في كثير من المؤتمرات والندوات.

• هل ترى خصوصية للأدب النسائي؟

– الكتابة النسوية لها خصوصيتها الجمالية والرؤيوية، وقد تناولتْ نظرية النقد النسوي المنبثقة من النقد الثقافي هذه الخصوصية في كثير من التفصيلات، وبصفتي أحد المختصين في هذه النظرية النقدية، وكانت البداية الحقيقية لهذا الاختصاص في بحثي للدكتوراه، وهو بعنوان: “المرأة وعلاقتها بالآخر في الرواية الفلسطينية”، نشر في كتاب عام 2001.

وفي مستوى التفريق بين الكتابتين النسوية والذكورية، أن الكتابة الذكورية نمذجت المرأة في سياقات الأم المبجلة، والزوجة الولود الخادمة، والمرأة الرمز للوطن وغيره، والحبيبة المثالية في جمالها، والجسد الأنثوي السلعي، وهذه الرؤى هُمِّشت في الكتابة النسوية التي تنظر إلى الأم بصفتها من النموذج الحريمي المستلب، والزوجة كبش الفداء، والمرأة الإنسان لا الرمز، وإعادة الاعتبار للجسد وروحانياته رفضاً لتأثيمه أو تابوهيته، والمرأة نصف المجتمع لا الخادمة، والنظرة إلى المجتمع والآخر على أنه نظام بطرياركي قمعي استبدادي. لذلك، كانت هزيمة يونيو عام 1967، التي صدمت الروائيين الذكور، غير صادمة بالنسبة إلى الروائية الفلسطينية التي تنبأت بهذه الهزيمة؛ إذ لا يمكن أن ينتصر مجتمع يغيّب نصفه الآخر خلف الستائر، ويستبد في ظلمه واستبداده بالنساء. وبكل تأكيد هناك إشكاليات جمالية كثيرة تتجاوز الإيديولوجيا النسوية؛ لتؤكد خصوصية هذه الكتابة في مستويات اللغة، وبناء الشخصيات، والتفاعل مع الزمكانية، واستخدام أساليب العرض، مع التركيز على بطولة المرأة للسرد النسوي، وتهميش صوت الرجل إن لم يلغ كلياً، وقد تناولت في كثير من كتبي وأبحاثي هذه الخصوصية في الكتابة النسوية في مستوى الرواية النسوية العربية تحديداً.

فلسطين الجنة

• ما الذي يميز أدب الداخل وأدب المنفى الفلسطيني؟ وأيهما في رأيك الأقدر على التعبير عن أزمة الوطن؟

– فلسطين بالنسبة إلى الكاتب الفلسطيني هي ذاكرة الماضي المستمر في كونها وطناً محتلاً، مما دفع غسان كنفاني ليقول: “مستقبلنا هو أن يعود إلينا ماضينا”. أما كتابي “فلسطين ذاكرة وطن” فهو “مقاس رديات” تعري الواقع السلبي في التحولات الفلسطينية في مواجهة الكيان الصهيوني. أما بالنسبة إلى علاقة الأدب الفلسطيني بفلسطين فهي علاقة جوهرية، فيها بحث عن الوطن؛ الفردوس المفقود الذي يستلب يومياً في كل النواحي من الكيان الصهيوني بالدرجة الأولى. ولعلّ الفرق الجوهري بين الأدب الفلسطيني في داخل فلسطين المحتلة، والأدب الفلسطيني في المنافي يكمن في نظرة كل منهما إلى فلسطين؛ فأدب فلسطين المحتلة يعيش المعاناة اليومية من الاحتلال الصهيوني، وكذلك من تفشي كثير من السلبيات في المجتمع الفلسطيني؛ لذلك نجد الرواية -على سبيل المثال- لا تنظر إلى الانتفاضة الفلسطينية في مواجهة الاحتلال الصهيوني على أنها نموذج مثالي فقط، هناك جانب مجتمعي فلسطيني سوداوي يكتب في الروايات عموماً. أما الأدب الفلسطيني في المنافي، فرغم معاناته من الشتات والاغتراب، فإنه ينظر إلى فلسطين على أنها الجنة المفقودة، وقد كان موضوع كتابي “فردوس الأرض المغتصبة” يناقش هذه الإشكالية في الرواية الفلسطينية. لذلك يعد الأدب الفلسطيني في داخل فلسطين المحتلة أكثر قدرة من غيره على التعبير عن أزمة الوطن.

• النقد الأدبي… إلى أين يتجه؟

– عموماً، يتجه النقد الأدبي إلى البحث العلمي في الدراسات العليا، وأبحاث الترقية، وهذه حقيقة النقد الأدبي بصفته الكلاسيكية، مما جعل بعض المنظرين يعلنون “موت النقد الأدبي”؛ ليحل مكانه “النقد الثقافي” من جهة، والقراءة النقدية المنفتحة بصفة النقد مقاربة إبداعية مشروعة، تعيد إنتاج النص بأية طريقة ممكنة، خاصة القراءة الانطباعية أو التذوقية، وتكاد مدارس النقد الأدبي تنقرض بصفتها التقليدية، ليحل مكانها مشروعية أية قراءة نقدية إبداعية؛ ففي كتابيّ “ثقافة المنهج: الخطاب الروائي نموذجاً” و”أطياف في النقد الروائي” كأني اكتشفت حقيقة النقد الأدبي؛ الماثلة في عدم وجود منهجية واضحة في الدراسات النقدية، ولعلّ ذلك يعود إلى المساحة الواسعة بين التنظير والتطبيق؛ فالتنظير ممكن لأي منهج نقدي؛ لكن التطبيق يكاد يكون في عالم آخر، تغلب عليه القراء العادية غير الممنهجة، كما نتصورها نظرياً. وفيما يتعلق بالشق الثاني من السؤال، لا أعتقد أن لدينا اليوم أطراً نقدية جماعية تتبنى طروحات نقدية متشابهة كمدرسة “الديوان” مثلاً، يمكن غداً أو مستقبلاً تطويرها. ما لدينا هو انفتاح في النقد بصفته قراءة مشروعة، بإمكان أي إنسان ممارستها؛ لكن من حق المرجعيات المعرفية والجمالية أن تقرر في النهاية حياداً متطوراً، أو كان “اللانقد” المتأزم تجاه الظواهر الأدبية الكبرى؛ كظاهرة طوفان الرواية الذي أعجز النقد وغيّبه، ومن ثم غدا لدينا أزمة نقدية؛ لكون هذا النقد لم يقرأ كمياً ونوعياً مئات، بل آلاف الروايات التي صدرت في بلداننا العربية، وهذا يعني أن النقد الأدبي يعيش أزمة اندحاره أمام سطوة كثرة الروايات على سبيل المثال، ولنقس على ذلك بقية الأجناس الأدبية.

تهميش وتشوية

• تطالب دوما بحماية النصوص الأدبية من ظاهرة التهميش والتهويل، كيف ذلك؟

– في مشهدنا الثقافي، تتدخل -في كثير من الأحيان- عوامل شخصانية أو شللية غير ثقافية أو نقدية، فيتم تهميش أعمال أدبية جيدة، أو تهويل شأن أعمال أدبية رديئة. هذه الكتابة غير النقدية أو”شللية” التلقي تسيء للإبداع، وتخدع الثقافة الجادة، الإعلام الثقافي مهم جداً، ولكنه ينبغي أن يكون حيادياً موضوعياً في تعامله مع الأعمال الأدبية، أو على الأقل يلتزم الحياد والصمت تجاه التخريب الثقافي، فالكاتب يكتب، والمتلقي يستجيب لهذه الكتابة في مستويات متعددة، أخطرها أن يكون للأهواء والنزوات دور في تهميش النصوص، وتشويهها أو المبالغة، والتهويل في المدح والإطراء، وليس بيد الكاتب أي وسائل لحماية كتابته من هذا الفعل؛ لأن النص عندما ينشر يغدو في “ملعب” المتلقي. والحقيقة أنّ هناك أعمالا أدبية رائعة، لكنها مهمشة، ولا نجد أية كتابة عنها، وربما تحظى بعض النصوص المهمشة بفرصة الفوز بجائزة أدبية، لتغدو حينئذ في دائرة تهويل جمالياتها ومضمونها، أعتقد أن الكاتب الواثق، بدون غرور، من كتابته الإبداعية، ومن اختمار تجربته المعرفية والجمالية؛ لا بد أنه يكتب نصوصه بدون السعي إلى التسويق لها، أو الركض وراء الشهرة .

• كيف ترى خصوصية المشهد الثقافي في الخليج؟

– يمتاز المشهد الثقافي في الخليج العربي بخصوصيات عديدة، أبرزها تأخر انفتاح المجتمعات الخليجية، وتشكل حريات ثقافية في أوساط اجتماعية لم تعد تنظر إلى الأدب من منظور الرقابة ووضع المحاذير حول اختراقه للمسكوت عنه، لذلك يعد المشهد الثقافي الخليجي فاعلاً ومميزاً، لوجود دعم مادي ومعنوي كبير من الجهات الرسمية والأهلية، كما أتاحت الظروف المادية الجيدة للأدباء المجال واسعاً للقراءة والكتابة، عدا عن الفعاليات الثقافية، والأدبية، والجوائز الدولية المنبثقة من دول مجلس التعاون الخليجية، ليتسنى لنا القول بأن المشهد الثقافي الخليجي غدا مركزاً ثقافياً عربياً، بعد خفوت نجمي المركزين التقليديين القاهرة وبيروت.

وأود هنا أن أشير إلى أهمية مؤسسة عبدالعزيز سعود البابطين في الكويت، والأندية الأدبية، وجائزة الملك فيصل العالمية في السعودية، وجائزة كتارا في قطر، وجائزة الشيخ زايد في الإمارات، والمجالس الثقافية في سلطنة عمان، وغيرها من مؤسسات ثقافية وإبداعية كثيرة، غدت تعنى بالمشهد الثقافي والأدبي، وتثريه ثقافياً وإبداعياً، وتنقله من الدائرة الإقليمية إلى الدائرتين الأوسع العربية والعالمية.

وفي رأيي، أن الروائيين والروائيات في الخليج العربي نجحوا إلى حد بعيد في إنشاء رواية خليجية تستحق أن تكون في مستوى الرواية العربية المميزة.

من البنيوية التوليدية إلى النقد النسوي

أكد الدكتور حسين المناصرة أن مشروعه النقدي بدأ بنيوياً توليدياً متأثراً بمدرسة جورج لوكاش، وتلميذه لوسيان غولدمان، كما استند كثيراً إلى حواريه ميخائيل باختين، ويقول: ثم تبنيت “نظرية النقد النسوي والسرديات”، بمعنى أنني أعد نفسي قارئاً للرواية النسوية، ومعظم كتبي النقدية تدور في سياق الرواية ونظرية النقد النسوي، ومن ذلك: “المرأة وعلاقتها بالآخر في الرواية الفلسطينية”، و”النسوية في الثقافة والإبداع”، و”قراءات في المنظور السردي النسوي”، و”حوريات العالم السفلي”، و”وهج السرد”، و”مقاربات في السرد”، وغيرها.

وتابع: يضاف إلى ذلك أنني أعد نفسي أحد منظري كتابة القصة القصيرة جداً – كوني أحد كتابها- ولي كتاب نقدي فيها، خاصة أن نقاد هذه القصة عموماً من كتابها، ولدي قراءات وأبحاث عديدة وكتب في مجالات الأجناس الأدبية كافة، وفي ظواهر المشهد الثقافي، والإبداعي، وفي الفكر، والفلسفة، وأحمد الله أنني أنجزت ثقافة نقدية، أعتقد أنّ لها أصداءها في الأوساط الثقافية، والأكاديمية العربية.

Leave A Reply

Your email address will not be published.